أبي بكر الكاشاني
155
بدائع الصنائع
وقد وجدت فاما السماع فليس بشرط لكونه كلا فان الأصم يصح استثناؤه وإن كان لا يسمع والصحيح ما ذكره الفقيه أبو جعفر لان الحروف المنظومة وإن كانت كلاما عند الكرخي وعندنا هي دلالة الكلام وعبارة عنه لا نفس الكلام في الغائب والشاهد جميعا فلم توجد الحروف المنظومة ههنا لان الحروف لا تتحقق بدون الصوت فالحروف المنظومة لا تتحقق بدون الأصوات المتقطعة بتقطيع خاص فإذا لم يوجد الصوت لم توجد الحروف فلم يوجد الكلام عنده ولا دلالة الكلام عندنا فلم يكن استثناء والله الموفق وأما الذي يخص أحد النوعين وهو الاستثناء الوضعي فهو أن يكون المستثنى بعض المستثنى منه لا كله لما ذكرنا ان الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا ولا يكون تكلما بالباقي الا أن يكون المستثنى بعض المستثنى منه لا كله ولان الاستثناء يجرى مجرى التخصيص والتخصيص يرد على بعض أفراد العموم لا على الكل لان ذلك يكون نسخا لا تخصيصا وكذا الاستثناء نسخ الحكم ونسخ الحكم يكون بعد ثبوته والطلاق بعد وقوعه لا يحتمل النسخ فبطل الاستثناء ومن مشايخنا من قال إن استثناء الكل من الكل إنما يصبح لأنه رجوع والطلاق مما لا يحتمل الرجوع عنه وكذا العتاق وكذا الاعتاق وكذا الاقرار وهذا غير سديد لأنه لو كان كذلك لصح فيما يحتمل الرجوع وهو الوصية ومع هذا لا يصح حتى لو قال أوصيت لفلان بثلث مالي الا ثلث مالي لم يصح الاستثناء وتصح الوصية فدل ان عدم الصحة ليس لمكان الرجوع بل لما قلنا إنه ليس باستثناء ويصح استثناء البعض من الكل سواء كان المستثنى أقل من المستثنى منه أو أكثر عند عامة العلماء وعامة أهل اللغة وروى عن أبي يوسف انه لا يصح استثناء الأكثر من الأقل وهو قول الفراء وجه قولهما ان الاستثناء من باب اللغة وأهل اللغة لم يتكلموا باستثناء الأكثر من الأقل ولان الاستثناء وضع في الأصل لاستدراك الغلط والغلط يجرى في الأقل لا في الأكثر ولنا ان أهل اللغة قالوا الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا من غير فصل بين الأقل والأكثر الا انه قل استعمالهم الاستثناء في مثله لقلة حاجتهم إليه لقلة وقوع الغلط فيه وهذا لا يكون منهم اخراجا للفظ من أن يكون استثناء حقيقة كمن أكل لحم الخنزير لا يمتنع أحد من أهل اللسان من اطلاق القول بأنه أكل لحم الخنزير وإن كان يقل استعمال هذه اللفظة لكن قلة استعمالها لقلة وجود الاكل لا لانعدام معنى اللفظ حقيقة كذا هذا وعلى هذا يخرج مسائل هذا النوع إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا الا واحدة يقع ثنتان لان هذا استثناء صحيح لكونه تكلما بالباقي بعد الثنيا والباقي بعد استثناء الواحدة من الثلاث ثنتان الا ان للثنتين اسمين أحدهما ثنتان والآخر ثلاث الا واحدة ولو قال الا اثنتين يقع واحدة لان استثناء الأكثر من الأقل استثناء صحيح أيضا لما ذكرنا ولو قال الا ثلاثا وقع الثلاث لان الاستثناء لم يصح لأنه استثناء الكل من الكل ولو قال أنت طالق ثلاثا الا واحدة وواحدة وواحدة وقع الثلاث وبطل الاستثناء في قول أبي حنفية ومحمد وقال أبو يوسف جاز استثناء الأولى والثانية وبطل استثناء الثالثة وتلزمه واحدة وجه قوله إن استثناء الأولى والثانية استثناء البعض من الكل فصح الا انه لو سكت عليه لجاز فأما استثناء الثالثة فاستثناء الكل من الكل فلم يصح فالتحق بالعدم فيقع واحدة ولأبي حنيفة ومحمد ان أول الكلام في الاستثناء يقف على آخره فكان استثناء الكل من الكل فلا يصح كما لو قال ثلاثا الا ثلاثا ولأنه لما قال الا واحدة وواحدة وواحدة فقد جمع بين الكل بحرف الجمع فصار كأنه قال الا ثلاثا ولو قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة الا ثلاثا يقع الثلاث ويبطل الاستثناء في قولهم جميعا لان الاستثناء إذا كان موصولا لا يقف أول الكلام على آخره فكان الاستثناء راجعا إلى الكل فبطل ولأنه ذكر جملتين وجمع بين كل جملة بحرف الجمع فكان استثناء الجملة من الجملة فلا يصح وإذا قال أنت طالق اثنتين واثنتين الا اثنتين يقع ثنتان في قول أبى يوسف ومحمد وقال زفر يقع ثلاث كذا ذكر القدوري ولم يذكر قول أبي حنيفة وجه قول زفر ان الأصل في الاستثناء انه ينصرف إلى ما يليه لأنه أقرب إليه وهو متصل به أيضا ولا ينصرف إلى غيره الا بدليل ومتى انصرف إلى ما يليه كان استثناء الكل من الكل فلا يصح ولهما ان الاستثناء يصحح ما أمكن ولو جعلناه مما يليه لبطل ولو صرف إلى الجملتين يصح